مقالات

اضرب الراس تموت الاعضاء


بقلم/ يوسف احمد المقوسي

كثير من الكلام يبقى شاهقاً ومرتفعاً لا تغمره الرمال والأتربة كما بقيت قلعة حلب على ذلك المرتفع الناهض .. بعض الكلام لايزال يدهشنا منذ مئات السنين كما تدهشنا الأهرامات التي تشبه صندوق بريد الزمن الفرعوني الى كل الأزمنة ..
كل كلمة خالدة تبقى مثل القلعة ولايهدمها الزمن لكننا نمر بها كل يوم دون انتباه كما نمر بالآثار والأضرحة والقصور والتكايا والقلاع ..
وفي مدن آثار الكلام هناك عبارة مثل القلعة نمر بها منذ مئات السنين تقول:
واذا الموءودة سألت بأي ذنب قتلت؟؟
عبارة قرآنية نمر بها كل يوم ونعتقد أنها تمثل حدثاً جاهلياً انتهى .. ولكن الموءودة التي تُدفن في هذا الزمان هي التي سلمناها بأنفسنا الى من وأدها .. ويصح فيها أن يكون الكلام موجها لنا: واذا الموؤودة سألت .. بأي ذنب قتلت؟؟ .. ففي زمن قريش كانت الموؤودة أنثى من لحم ودم .. وفي زمننا فان المؤودة هي الأمة .. وهي الثقافة التي تدفن حية وتموت بأيدي ابنائها ..
لايمكن أن تقف أمة ببلاهة وهي ترى أنها تُدفن حية كما تقف أمة العرب .. هناك ديانة تدفن ونبي يذبح وكتابه يموت غرقا بالدم .. والأمة البلهاء لا تقدر ان تقول انها لا تريد أن تموت .. بل تنظر ببلاهة في العيون وهي تنزل الى قبرها وتفتح فمها كالخرساء
ثم تبتسم وهي ترى التراب يُهال عليها ..
فهي في الغرب صارت أمّة مكروهة منبوذة “تتداعى اليها كل الأكلة” .. فأكملت داعش قوس الكراهية باستعداء الشعوب الصفراء فذبحت الأبرياء المدنيين من كافة الجنسيات ..
داعش تنهض وتنشر أبذأ ما في الحيوانية على انه هو الدين .. وجبهة النصرة تقاتل نيابة عن الصهاينة وتحمي حماهم في الجولان وتثأر لهم من المسلمين .. وبيت المقدس لايحارب في بيت المقدس بل في صحراء التيه .. ويذبح المهاجرين الفقراء المصريين الذين يبحثون عن لقمة عيشهم في أرض الله ..
فيما أرض الحجاز محشوة بفتاوى النكاح والتكفير وارضاع الكبير .. وحرق الأسير .. ولاتوجد هناك فتوى واحدة للرحمة ..
وفوق كل هذه المصائب تخرج ثلة من صبيان الأمة كغربان ما يُسمى بالثورة السورية لتبحث في جذور العنف الاسلامي وتعزو كل شيء (للاستبداد) وتخص به استبداد النظام السوري فقط الذي طال فولدت منه الثورات التكفيرية في العالم ..
وأحد هذه الغربان لا يمل من اعادة انتاج المصطلح نفسه وتكراره والصاق كل مثالب الوجود بالاستبداد بشكل صار ممجوجاً بسبب عجزه الواضح عن تفسير أي شيء بعيدا عن الاستبداد ..
لم تعد هذه الرؤوس في الأمة قادرة حتى على انتاج مصطلحات جديدة لأنها رؤوس فارغة وتخلو من أهم مكون وهو الثقافة الانسانية الواسعة ..
الأمة التي تبحث عن حل لمشكلة وجودها الحضاري وتنتج هذا الكم المفجع من الهزائم العسكرية والعلمية والمعرفية والحضارية والأخلاقية والفلسفية وتتصرف وكأنها تدفن حية .. لايمكن أن تعزو كل المشكلة الى الاستبداد ولا يبدو من الحكمة أنها لا ترى الا جذراً واحداً لمشاكلها هو الديكتاتورية دون أن تلوم نفسها ونُخَبِها وفشلها كأمة وثقافة في تشخيص المشكلة ..
ان ايقاف مشروع وأد الأمة لا يكون الا بمشروعين كبيرين:

  • المشروع الأول المتمثل بايقاف الموجة الدينية التكفيرية بالقوة الخشنة أو الناعمة:
    وهذه لايمكن ايقافها بتقليم المخالب وقطع الأذرع مثل البغدادي وأتباعه أو الجولاني وأنصاره .. بل بالضرب على الجسد والرأس .. ورأس المشروع التكفيري هو تركيا واسرائيل اللتين تنفذان مشروعاً مشتركا للسيطرة على الشرق باشراف الناتو وحمايته ..
  • المشروع الثاني وهو فكري بضرب روح القطيع الوهابية والإخوانية واستئصال شأفتها من الجسد الاسلامي:
    وذلك باعادة انتاج المضاد الحيوي والعدو الطبيعي لروح التكفير المتمثل في الوهابية .. أي اعادة انتاج الفكر والنخب بعيدا عن روح الوهابية والإخوانجية.. فليس الاستبداد هو من يخلق التطرف والبشاعة والعنف بل غياب الفكر والمعرفة والابداع والشعور بالطاقة الخلّاقة التي لا يحدها حد ولا يوقفها نظام ولا ديكتاتور .. فأوروبا اقامت عصر النهضة في ظل أبشع حكم ظلامي ملكي مقدس واستبدادي ظلامي .. ولم يقل الناهضون فيها ان علينا انتظار سقوط الملكية والملوك .. وان علينا انتظار الناتو ليحررنا .. لكن تحرير الثقافة هو الذي حرر السياسة والمجتمع والدين ..حتى سقطت محاكم التفتيش التي كانت تمثل داعش أوروبة وتكفيرها المقدس ..

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى