مقالات

تعدد الزوجات بين الشرع والهوى.

بقلم: د/ عبد القادر قدوري.

ما إن تنتهي مرحلة الطفولة عند الإنسان ، لتبدأ حاجات نفسيّة وبيولوجيّة كالمودة، والتراحم، والسكينة و ميل كل من الجنسين إلى الآخر ، و لا تتحقّق ذلك إلا بالزواج المستمر و تحت سقف واحد ، لكن عند المسلمين هناك تشريع يسمح بالتعدد ، اي من يرغب في بزواج ثاني و ثالث و رابع ، فله ذلك مدام يتوفر على القدرة على ذلك ، وهذا ما اتفق عليه جمهور علماء المسلمين القدامى و المحدثين عندما تناولوا هذه الآية بالتفسير :وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىٰ فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلَّا تَعُولُوا ﴿النساء: 3﴾ ، و عليك ستكوم مداخلتنا حول ضبط المفاهيم المتعلقة بالزواج الشرعي و عقد القران ،و تعدد الزوجات ، و محاولة الكشف عن أغلوطة تعدد الزوجات في المجتمع الإسلامي عبر التاريخ الإسلامي ، و ذلك من خلال العائد المعرفي القرآن من خلال قرآءة منهجية وتقابلية للآية المذكورة ، و آية آخرى: “لا تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء و لو حرصتم”، لنختم المداخلة بنتيجة خطيرة حول ظلم النساء في الشريك الثاني بالحجية المغلوطة للآية السابقة

تعدد الزوجات حسب العائد المعرفي للموروث الديني الإسلامي:

نعني بالموروث الإسلامي من خلال هذه الورقة البحثية :كل ما جاء في كتب تفاسير القرآن الكريم و كتب الأحاديث الشريفة المنسوبة للنبي محمد (صلى الله عليه و سلم ) أو للصحابة ، أو التابعين ، و كذا كتب التراجم و السير والتاريخ الإسلامي.، و التي استمد منها أحكاما شرعية. كحكم تعدد الزوجات.

فبالرجوع إلى الإرث الثقافي الإسلامي نجد أن أصحاب الرسول محمد( صلى الله عليه وسلم) فضلا على جنابه الكريم ، أن كلهم كان متعدد الزوجات فمثلا لا حصرا، يذكر صاحب ” الرياض النضرة في مناقب العشرة” أن أبا بكر الصديق كان له أربع زوجات هنّ كالتالي:”-1قتيلة أو قتلة من بني عامر بن لؤي. وهي أم عبد الله أكبر أولاده الذكور، وأم أسماء أكبر بناته. 2- أم رومان بنت الحارث من بني فراس بن غنيم بن كنانة، وهي أم ولده عبد الرحمن وأم عائشة. 3- أسماء بنت عميس الخثعمية، أم ولده محمد. 4- حبيبة بنت خارجة بن زيد أم كلثوم ولدت بعد وفاته”. كما يذكر أيضا أن الخليفة عمر بن الخطاب كان له أكثر من 4 زوجات.. كما أن هناك أحكاما ما تخص به الزوجة الجديدة من الليالي ، و ذلك وفقا للأحاديث المنسوبة للنبي صلي الله عليه و سلم بحيث” إذا كان للرجل امرأة و تزوج أخرى خص الجديدة ، إذا كانت بكرا بسبع ليالي و الثيب بثلاث ثم يستأنف القسم”، إذا فعملية تعدد الزوجات أمر مفروغ منه ، و غير مختلف فيه ، بل و مفتوح على مصرعيه عند عامّة المسلمين ، فقط هو مقيد بتوفير العدل فقط لا غير ، و هذا ما سنناقشه من خلال القراءة التحليلية للآيات الست الأولى من سورة النساء .

تعدد الزوجات حسب العائد المعرفي القرآني :

إن موضوع تعدد الزوجات تُعالجه آية واحدة في القرآن الكريم ، و ضمن ظاهرة الأيتام فقط ، يحث يقول الله تعالى في القرآن الكريم :

يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّـهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّـهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴿١﴾وَآتُوا الْيَتَامَىٰ أَمْوَالَهُمْ ۖ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ ۖ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَىٰ أَمْوَالِكُمْ ۚ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا ﴿٢﴾ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىٰ فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلَّا تَعُولُوا ﴿٣﴾ وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً ۚ فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا ﴿٤﴾وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّـهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا ﴿٥﴾ وَابْتَلُوا الْيَتَامَىٰ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ ۖ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُوا ۚ وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ ۖ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ۚ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّـهِ حَسِيبًا ﴿٦﴾ سورة النساء

إن معظم الناس الذين يذكرون التعدد ، أو يتناولونه بالرأي ، يقرؤون فقط:

فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ..

بحيث يُخرجون ظاهرة التعدد من سياق النص القرآني الشامل لها أو الدال عليها ،فظاهرة التعدد هنا مربوطة أو محكومة إلى ظاهرة اجتماعية خطيرة و عامّة في المجتمع، و هي كفالة اليتيم ، و هؤلاء الأيتام في إطار الأرحام فقط ، ” فهؤلاء الأيتام هم أيتام الأرحام الذين يضع الشرع الوصاية عليهم وفي إطار العائلة نفسها.. هؤلاء الأيتام الذين جعل لكم الله القيام على أموالهم بالوصاية يجب ألا تأكلوا أموالهم وتتبدلوا طيبا لكم بخبيثة لهم” على حد تعبير محمد أبو القاسم حاج حمد رحمه الله تعالى .إذن فعملية التعدد هنا تتقيد بضم النسل (الأيتام) إلى العائلة بنكاح أمهاتهم( أمهات الأيتام)مع” تقييد الزواج بالسن المتكافئة و رضاء المرأة”

فهنا الأيتام (كما يقول صاحب العالمية الإسلامية الثانية) مقيدة إلى الأرحام ، لأجلها تكون الوصاية عليهم ، و ظاهرة النساء مربوطة و مقيدة بالأيتام ، و ليس للنساء مطلقا.” فدرءا للخوف من عدم في اليتامى (يجوز) الله ضمهم إلى العائلة (بزواج أمهم) وهنا لايصبح الأمر (تبينا) , كذلك ينبه الله إلى الخوف من عدم العدل بين النساء أو (أمهات الأيتام) فيكون الزواج لواحدة فقط ويستثنى من تعدد الأمَة مما ملكت الأيمان وذلك أدنى ألا تعولوا , أي في حال عدم استطاعتكم النهوض بأمرهن . قد جاءت عبارة فانكحوا ما طاب لكم من النساء مقيدة غير أن العرب أدركوها مطلقة.كما قال صاحب العالمية أيضا.

إذن فظاهرة التعدد مربوطة جدا بظاهرة الأيتام في إطار الأرحام ، بإلحاقهم إلى العائلة بزواج أمهاتهم ، في اطار محدود ، و من اجل التصرف في أموالهم بأمانة و صدق ، حتى يبلغوا أشدهم ، و هنا يزوجا يُحقق إمكانية العدل بين الأولاد الجدد من التعدد وأولاده من الأولى ، فعملية الأبوة تجعله يخضع للعدل ، كون له الحق ا في القيام على أموال الأيتام (الأولاد ) القصر ،و إن خاف أن يعدل بين الأيتام كلهم فيكتفي بواحدة ، و عليه نستطيع القول أن عملية التعدد هي مباحة في إطار وضع اجتماعي خاص ، و لا يرتبط أساسا بالزواج المطلق كما ذهب إليه جمهور علماء المفسرين الأوائل فضلا على المحدثين ، و هذا ما ذهب إليه أيضا صاحب” التحرير و التنوير” المفسر التونسي طاهر بن عاشور، حيث قال بضرورة جمع بين ظاهرة القسط بين الأيتام و ظاهرة زواج أمهات الأيتام .بل رعاية و عناية الأيتام في محدودية الأربع عددا. و و من خلال هذه الورقة البحثية ، نرى أن العدل المطلوب توفره و التي تحث عليه الآية هو ليس الذي يجب أن يكون بين الأيتام و ليس بين الأزواج كما فهم المفسرون ،و على هذا الأساس يقول علّامة المغرب في وقته المُصلِح الكبير علّال الفاسي في كتابه مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها دعا الدولة رسمياً أن تسد باب التعديد حيث قال ” وقد أخذنا نحن مبدأ توقيف العمل بتعدد الزوجات في العصر الحاضر بناء على أن الأمر الوارد في القرآن ليشتمل على أمر ارشاد للمسلمين ، ان يواصلوا ما بداه الشرع من تقييد التعدد كلّما خافوا عدم العدل” على حد قول علال الفاسي رحمه الله تعالى.

خاتمة :

نقول بعملية العدل المنصوص عليه في الآيات الأولى من سورة النساء ، مقصود منها العدل بين الأيتام من ذوي الأرحام تحديدا، و ليس بين النساء ، لأن العدل بين النساء منتفي اعتبار من منطوق الآية 129من نفس سورة النساء :وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ ۖ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ ۚ وَإِن تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّـهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا ، ويقول صاحب التحرير و التنوير في شأن هذه الآية :” أي تمامَ العدل . وجاء ب ( لن ) للمبالغة في النفي ، لأنّ أمر النساء يغالب النفس ، لأنّ الله جعل حُسن المرأة وخُلقها مؤثّراً أشدّ التأثير ، فربّ امرأة لبيبة خفيفة الروح ، وأخرى ثقيلة حمقاء ، فتفاوتهنّ في ذلك وخلوّ بعضهنّ منه يؤثّر لا محالة تفاوتاً في محبّة الزوج بعض أزواجه ، ولو كان حريصاً على إظهار العدل بينهنّ ، فلذلك قال ولو حرصتم ، وأقام الله ميزان العدل بقوله : فلا تميلوا كلّ الميل ، أي لا يُفْرط أحدكم بإظهار الميل إلى أحداهنّ أشدّ الميل حتّى يسوء الأخرى بحيث تصير الأخرى كالمعلّقة . فظهر أنّ متعلّق تميلوا مقدّر بإحداهنّ ، وأنّ ضمير تذروها المنصوب عائد إلى غير المتعلّق المحذوف بالقرينة ، وهو إيجاز بديع، إذن فمسألة العدل بين النساء مفصول فيها في الآية 128 ، و العدل المنصوص عليه في الآيات الأولى من سورة النساء نفسها ، يخص العدل بين الأيتام و لتحقيق هذه الغاية الإنسانية النبيلة من أجل التضامن

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى