مقالات

“اصطباحات صالحين”

بقلم: أ.د/محمد صالحين.

قالب_طوب [!!!]

• في ليلة مباركة من ليالي شهر رمضان المنصرم 1439ه كان الشاب العشريني راجعًا من صلاة المغرب في المسجد إلى بيته؛ ليتناول الإفطار مع أسرته الصغيرة، وكان يسير في سكينة وهدوء، إذْ أبصرَ أربعة قوالب طوب، منصوبة على هيئة مرميين للكرة (جول)، بينهما مسافة طولية تُقَدَّرُ بحوالي 200 متر، ومسافة عرضية بين كل قالبين تقدر بحوالي ثلاثة أمتار، وذلك في وسط الشارع تمامًا(!!!)؛ أعني: في نهر الطريق.
• شرع صاحبُنا الفتيُّ يحمل كل قالب، ويضعه على جانبي الرصيف، بكل عناية وهدوء؛ حتى فرع من القوالب الأربعة، وهو لا يدري أن شابًا فلبينيًّا وزوجته يرمقانِهِ بحذر ودهشة، وهما في طريقهما متأبطينِ؛ ليستقلا الحافلة الخاصة بمستشفى دار الفؤاد التي يعملانِ فيها؛ ممرضينِ.
• رفع الشابُ عينه إلى الطريق فأبصر الشاب والفتاة، وقد اقتربا منه، فحانتْ منه التفاتة لطيفة، مصحوبة بابتسامة تلقائية أكثر رقةً، وحياهما بدفء: مرحبًا؛ قالها بالإنجليزية طبعًا، وجرى بينهما حوارٌ خاطفٌ:

  • الفتاة -بلكنتها المحلية-: أنت مسلمٌ .. أليس كذلك؟!
  • صاحبُنا -بإنجليزية أمريكية طليقة-: بلى سيدتي.
  • زوجها: وصائم؟!!
  • صحيح.
  • هي: ولم تفطرْ بعدُ، وقد سُمِحَ لك بالطعام والشراب منذ20 دقيقة؟!!
  • هو: تقريبًا.
  • الفتاة: ولماذا تتأخر عن الماء والطعام كل هذا الوقت، ألستَ صائمًا منذُ 16 ساعة؟
  • أنا شربتُ ماءً، وأكلت قبله تمرات، وذاهب الآن لتناول إفطاري، هل فعلتُ شيئًا أزعجكما.
  • زوجها: بالعكس، لكننا نستغربُ من إضاعتك مزيدًا من الوقت، في إزاحة الطوب من الشارع، بينما هو خالٍ من المارة، ومن السيارت؟!!!
  • هو: إن ديني يأمرني بهذا، ولو على حساب ثوانٍ معدودات من وقتي.
  • الفتاة: بماذا يأمرك دينُك؟!!!
  • يقول نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- “الإيمانُ بضعة وسبعون شعبة، أعلاها: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان”
  • زوجها: تعني أن تنظيف الطريق مما يؤذي المارة والمركبات جزءٌ من دينك؟!!!
  • هو: نعم، هذا صحيحٌ تمامًا.
  • هما في نَفَسٍ واحدٍ: وااااااااو .. هذا شيء رائع.
  • الفتاة: هل يمكننا التواصل معك على واتساب؟
  • هو: طبعًا بكل سرور، وأخرج هاتفه المحمول الحديثُ جدًّا، وطلب منها أن تُملي عليه رقمَها، ودقَّ عليها … وسمع جرس هاتفها، فقال لها: تمام؟
  • هي: تمام، سنتواصل بالتأكيد.
  • زوجها -بابتسامة واسعة-: يجب أن تلحق بإفطارك، ونلحق بحافلتنا .. وإلا …هههههه
  • هو: سنتواصل بالتأكيد.
    • لوَّح لهما بيده مودِّعًا، وأخذ طريقه يمينًا حيث الشارعُ الذي يقطن فيه، بينما ظلا يتابعانه بإعجاب، ببنطاله القصير؛ الذي يبلغ منتصف ساقية بالكاد، وردائه الأنيق (تي شيرت) ذي الألوان الشبابية المبهجه، وقبعته غالية الثمن، وحذائه الرياضي الذي يشي بالثراء، وقبل كل هذا لحيته الكستنائية الناعمة التي تكسو وجهه؛ فتزيده نضرة وجمالاً، مع ناصيةٍ بيضاءَ لامعةٍ، وعضلات عضدين تبدوان كأنها منحوتتانِ بعناية فائقة؛ رمزًا لفتوة تامة، وصحةٍ سابغةٍ!!
    • بعد صلاة التراويح أضاف #رامي رقم الشابة الفلبينية إلى قائمته على واتساب، وأرسل إليها رسالة ترحيب، وطلب إليها أن تضيف زوجها إلى مربع المحادثة بينهما.
    • في عصر اليوم التالي -وبينما يقرأ ورده من القرآن في قاعة أحمد زويل بنادي 6 أكتوبر- سمع إشارة من هاتفه، تَنُمُّ عن تلقي رسالة على واتساب، فتحها بعد قليل، وقرأ:
  • مرحبًا رامي!
    كان المتحدث هو زوج الفتاة على مربع الحوار الذي أصبح ثلاثيًّا.
  • لقد دخلنا حسابك على فيسبوك عن طريق رقم هاتفك، نحن معجبانِ بمنشوراتك، وأريد أنا و(كِنْتْ: Kentبالفلبينية: الفتاة الرشيقة) أن تشرح لنا توجيه النبي محمد الذي ذكرته لنا بالأمس، إننا مندهشانِ حقًّا، لكننا نريد مزيدًا من الشرح، نرجو ألا نكون قد سببنا لك إزعاجًا في صيامك الذي سيمتد حوالي ثلاث ساعات حتى المساء .. شكرًا، صديقك كو (KO بالفلبينية معناه: الملك، أو الإمبراطور) عرف رامي هذا فيما بعد.
    • شعر رامي بزهوٍ باطنيٍّ؛ لأنه مسلم، ومن فوره تواصل مع شيخه الأثير الذي يسكن قريبًا منه، والذي يحرص على سماع خُطبته كل جمعة، ويواظب على حضور دروسه في المساجد، ويتابع حلقاته المصورة على يوتيوب، ويسأله عن كل ما يعن له ولغيره من أمور الدين، ويفيد دائمًا من كل تواصل معه.
  • رامي: شيخنا السلام عليكم .. آسف لإزعاجك بجد!
  • الشيخ: مرحبًا رامي حبيبي .. وعليكم السلام يا جميل .. لا إزعاج، بل أسعد بك في كل وقت .. رمضان كريم.
  • رامي: الله أكرم شيخنا، بس حابب أعرف شرح مبسط لحديث: شعب الإسلام، لأنه حصل امبارح …. وسرد رامي سريعًا الأمر الذي كان مع الشاب الفلبيني وزوجه.
  • الشيخ: سأرسل لك الآن شرحًا في حوالي مائة كلمة؛ حتى تتيسر لك الترجمة .. اتفقنا؟
  • رامي: أنا بحبك يا شيخ .. ربنا يجمعنا في الجنة، ويجعلنا سببًا لهداية الناس.
  • الشيخ: حبيبي يا روميو .. آمين يارب .. سلام يا قمر.
  • رامي: سلام يا شيخنا .. لا إله إلا الله.
  • الشيخ: محمد رسول الله.
    • بعد حوالي نصف ساعة تلقى رامي نص الرسالة الآتية -من شيخه- على جهازه:
    • “إن دين الإسلام يهتم بكل شؤون الحياة، والأحياء، ويحرص على تثبيت كل ما هو جميل وحق وخير في نفوس الناس جميعًا، وبخاصة في نفوس أتباعه؛ ليكونوا قدوة للناس، وفي حديث شُعب الإيمان السبعين: ذكر نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم ثلاثة أمثلة؛ تشير إلى جميع درجات الدين؛ فشهادة التوحيد تُشير إلى أركان الدين، وشعائره، وعباداته، وإماطة الأذى عن الطريق تشير إلى السلوكيات التي ينبغي أن يتحلى بها المسلم؛ حتى مع البيئة من حوله؛ فضلاً عن البشر، والحياء يشير إلى الأخلاق الظاهرة والباطنة التي ينبغي أن يتخلق بها المؤمن، وجدير بالذكر أن هذا ما ينبغي أن يكون، فإذا وجدنا شخصًا أو مجتمعًا على خلاف ذلك: فالعيب فيه، وليس في الدين”
    • سابق رامي الزمن؛ ليترجم هذا الشرح المبهر إلى إنجليزية يسيرة، لا صعوبة فيها، ويرسل الشرح إلى (كو) وزوجه (كِنْتْ)؛ قبل أذان المغرب بربع ساعة على الأقل؛ ليدرك أذكار المساء، والدعاء قبل الإفطار … وقد كان.
    • تتابعتِ المراسلاتُ بين رامي والزوجين الفلبينيين، مع الإشراف الخفي من شيخ رامي، وتوجيهاته الخبيرة بهذا الشأن، ولما استأذن رامي صديقيه في عطلة عشرة أيام؛ لأنه سيدخل المعتكف: كان الشغف قد استبدَّ بالزوجين الفلبينيين، وطالباه بشرح مبسط للاعتكاف؛ مبناه، ومعناه؟!! وقد أسعفه شيخُه -كالعادة- بإجابة سلسة، قصيرة، شافية، ووافية.
    • هجر رامي التواصل -بصورة شبه تامة- في العشر الأواخر، لكنه كان قد أرسل إلى الزوجين نسخة PDF من ترجمة تفسير معاني القرآن بالإنجليزية والفلبينية؛ بناءً على توجيه لطيف من الشيخ، على وعدٍ بلقاءٍ حيٍّ بعد العيد.
    • مساء الخميس 29 من رمضان صلى رامي العشاء، ثم فتح هاتفه بلهفة وشوق، فوجد عشرات الرسائل على ماسينجر وواتساب، مر عليها سريعًا حتى وصل إلى محادثة جماعية بينه وبين #كو_كِنْتْ .. فتح المحادثة بتأنٍ، فقرأ:
  • أهلاً روميو .. إننا ممتنانِ لكل شيء، نريد تحديد موعد اللقاء بعد عطلة العيد .. إننا نريد بيقين اعتناق الإسلام .. ماذا علينا أن نفعل؟ أخوك/ كو، أختك/ كِنْتْ.
    • أول أمس الخميس: خرج الثلاثةُ من الجامع الأزهر الشريف؛ بالتحديد من لجنة الإفتاء الموجودة على يمين الداخل، وفي يد كُلٍّ من #كو_كُنتْ شهادة إشهار إسلامهما، بعد أن صلوا الظهر جماعة في الجامع العتيق.
    • كُنْ آيةً بأفعالك.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار