مقالات

“اصطباحات صالحين”

كتبها: أ.د/محمد صالحين.

إسرائيل_وإسحاق [2 / 2]

• تحدثنا في اصطباحة أمس عن إسحاق، فماذا عن إسرائيل؟
• المشهد الثاني: توجَّهنا من فورنا -إذعانًا للأوامر الصارمة- إلى مأدبة الطعام، فوقعتْ عيني على مكتب خشبي كبير، يجلس خلفه ثلاثة رجال، يتوسطهم الأخ #إسرائيل_عزيز؛ قائدًا للكتيبة، وبعد المصافحة والعناق قلتُ له مازحًا: هاخد البون من عندك عشان أتغدى؟ فقال: لع هتدفع عندي بعد الغدا(هههههه)، وأخرج من درج المكتب رُزمة فلوس ورقية مُهندمة، فعرفتُ أنه قائد وحدة تجميع النقطة، وتسجيلها، فقد كان أمامهم كشكول يسجلون فيه اسم صاحب النقطة، وقيمتها.
• #والنقطة: عادةٌ حسنةٌ في أصلها، حيث يقوم المدعوون في العُرس (الفرح) -وكذلك كان سابقًا في الختان للذكور (الطهور) أيضًا، لكنه توقف الآن؛ لأن الختان يُجرَى في عيادة طبيب، وليس في البيوت على يد حلاق الصحة- بإهداء العريس، أو ولي العروس مبلغًا من المال في هذه المناسبة البهيجة، كلٌّ على قدر سعته؛ لمعاونته على نفقات الفرح المثقلة لميزانية الطبقة الوسطى من المصريين، ثم تُردُّ قيمةُ النقوط في أول مناسبة سعيدة لدى المُهْدِي، وهو يُعدُّ من قبيل التكافل المتبادل، ولا أعرف بالتحديد لماذا سُمي بالنقوط، أو النقطة، لكنني أُخمن أنه سمي كذلك: كون المُهْدِي يسجل نقطة في صالحه؛ كما نقاط كرة القدم (ههههه)، ومن الجدير بالذكر أن هذه العادة كانت قائمةً في المآتم أيضًا، لكنها اندثرتْ على العموم.
• نعود للمشهد: لماذا المِعَلِّم إسرائيل؟ ألا يوجد لدى والد العروس (عمي) عشرات الأشخاص؛ من الأقارب (عضم الرجبة)، ومن الأصهار، ومن الجيران والمعارف المسلمين من يقوم بهذه المهمة؟ ولماذا هو القائد المؤتمن على فلوس النقطة؟ لماذا لا يكون عضو يسار، أو حتى عضو يمين في الفريق الثلاثي؟ والإجابة جِدُّ يسيرة:
• لأن المقدس/ إسرائيل رجل مؤتمن بالفعل، وكل شراكاته في تجارته مع إخوانه المسلمين، وكل جلساته وسهراته في بيوت المسلمين، وهو رجلٌ مرحٌ، مثقفٌ، لا يخشى من خوض غمار أحاديث لطيفة في شؤون الدين، ويتحدى كثيرًا من المسلمين أن يعرفوا من القرآن ما يعرف هو، بل يراهنهم مازحًا أن يلقوا خطبة دينية إسلامية كما يستطيع هو متمكنًا أمكن!
• وهو في الوقت ذاته رجل متدين، مُعْتزٍّا بعقيدته الدينية كمسيحي أرثوذوكسي، ومتمسك بشعائر ملته، ولا يرى أي تناقض بين معاشرته بالحسنى لإخوانه المسلمين، وبين إخلاصه لدينه وعقيدته؛ باختصار: ليس رجلاً متعصبًا؛ كما هو الحال لدى فئة من المسلمين والمسيحيين، على حدٍّ سواء، ابتيلنا بهم في هذا الزمن العجيب!!
• وكثيرًا ما أستقبل مكالماتٍ هاتفيةً يكون طرفُها عمي الأستاذ/ محمود صالحين، يسألني في مسألة دينية محددة، فأجيبُه إن كنتُ أعرف الإجابة، فيصيح شخصٌ بجواره: أنا صح، أنا صح!! فأقول لعمي: هذا أبو أسامة .. صح؟ فيقول ضاحكًا مغيظًا: أيوه هو بعينه .. أتدرون يا قرائي الأعزاء من أبو أسامة؟ إنه المقدس/ إسرائيل!! هل رأيتم مسيحيًّا يُسمي ابنه الأكبر (أسامة)، ويتلقبُ به؟!! بل هل رأيتم مسيحيًّا يعرف في شؤون المسلمين أكثر مما يعرفه بعضُ المسلمين؟!!
• يتعاهد أبو أسامة صفحتي دومًا، وكثيرًا ما يُضفي على منشوراتي تعليقاتٍ بهيجةً، ويجاملني -وهو مجامل بطبعه- لكن حين نلتقي أحبُّ أن أحاوره في أدق شؤون دينه وعقيدته، وأذكر له من نصوص العهدين القديم والجديد ما يُبهره، فيقول: هو حضرتك عالم في الإسلام، ولا في كل الأديان؟ فأقول له: لستُ عالمًا، لكنني باحثٌ في علم مقارنة الديانات، وتعلمتُ أصول البحث في جامعة ماينتس بألمانيا؛ حيث درستُ في كلية الدراسات اللاهوتية، أصول الديانتين؛ اليهودية، والمسيحية البولسية، ويجري الحوار بيننا في سلاسة تامة، دون تجريح أو إساءة.
• انتهى أبو أسامة من مهمته في حمع النقطة، وتدوينها، وأدى الأمانة إلى أهلها، ثم أسرع بالجلوس إلى جواري مرحبًا كعادته؛ كأنني ضيفٌ، وهو صاحب الفرح، فسررتُ لذلك أيما سرور، وبينما نحنُ مستغرقان في حوار شائق: جاء شابٌّ لطيفٌ، وقال مازحًا: ما تونطج الشهادتين وتخلص!! فقال له بذكاء: لو أمرني د. محمد لفعلتُ!! فقلتُ مبتسمًا موجهًا حديثي للشاب المسلم بهدوء: إن مكسبنا من المجدس إسرائيل وهو مسيحي أكبرُ من مكسبنا منه وهو مسلم، وهو من العقل والحكمة بحيثُ يختارُ لنفسه، ولا نختارُ له. فوقع كلامي بردًا وسلامًا على الطرفين!!
• قلتُ للمعلم إسرائيل: هل تحقق المبلغ المرجو من النقطة؟ قال: تحقق منه 80%، ومنتظر أن يتحقق الباقي عند الحريم (والدة العروس)، فتعجبتُ من إجابته الحاسمة، وأرقامه الصارمة .. وقلتُ: كيف عرفتَ ذلك؟ فقال: بُص يا دكتورنا: النوجطة على جد المصاريف؛ يعني بذلك: أن المبلغ المتجمع من النقوط يساوي ما أنفقه أهل العريس، أو والد العروس … وشرع يشرح لي فلسفة هذا الأمر، فوجدته منطقيًّا ومعقولاً!
• وما قلتُه في اصطباحة الأمس عن الأخ/ إسحاق قوزي؛ من وده للمسلمين، وحسن المعاملة المتبادلة بيننا: ينطبق على المعلم إسرائيل، وأزيد هنا أمرين:

  • الأول: أنني في صغري كنتُ أكره إسرائيل، دون أن أعرفه، وأنفر من اسمه كل النفور، وأظن أنه يهودي(!!!)، فما رأيتُ مصريًّا يسمي ابنه على اسم الكيان الغاصب المحتل القاتل، وكنتُ قد وعيتُ على آثار حرب الاستنزاف، والغارات التي كانت تُفزعني وأنا صغير من سنة 69 إلى حرب أكتوبر المجيدة، وكنت أتحاشى أن أدخل الدرب الذي يسكن فيه هذا الطفل العنصري، ولا ألعب مع أترابه أبدًا، ولا أشاهد مباراة كرة يكون حاضرًا فيها في دكان عمي معبد؛ صاحب التلفاز الوحيد في البلد!! فلما أمسيتُ طالب علم، وبدأت أحفظ القرآن علمتُ إن إسرائيل يعني: عبد الله؛ بالعبرانية، وأنه نبي كريم، ابن أنبياء كرام، والد نبي كريم، واستطعتُ أن أفرق بين الاسم المُكَرَّم، والكيانِ المجرم، ثم لما شب المعلم أبو أسامة عن الطوق أزال بسلوكياته الحميدة كل الغبش الذي كان يمثله مجردُ الاسم في ذهني، وعلمتُ أن العبرة بالمسمى، وليس بالاسم!
  • الثاني: أنه حدث في بلدتنا الوديعة حدثٌ مرَّ بسلام، إذْ أراد بعض إخواننا المسيحيين -منذ عامٍ تقريبًا- أن يبنوا كنيسةً في القرية، لكنهم جعلوا ذلك بتدبيرات سرية، واشتروا بيت رجل مسلم؛ ليضموها إلى بعض بيوتهم؛ استعدادًا لهذا الغرض، لكن السر انكشف، وتم تطبيق القانون، ودفعنا لهم قيمة ما دفعوه في بيت المسلم، وتم الاتفاق على أن يحوَّل البيت إلى منفعة عامة (مكتب بريد) يخدم أهالي القرية ومن حولهم من أهالي القرى المجاورة؛ خاصة أصحاب المعاشات الحكومية، وخمدتِ الفتنة، وقد فتح معي المقدس/ إسرائيل هذا الموضوع، وقال لي: لقد خطَّأْتُ جماعتنا، وقلتُ لهم: ما ينفعش الشغل في السر، بل الصح أن نذهب ونجلس مع رؤوس العائلات المسلمة، ونتناقش معهم في هذا الأمر بالعقل والمنطق، ثم قال لي: ما رأيك يا دكتور لو كان الحكم لك؟
  • قلتُ له بدون تردد: لو كان الأمر بيدي لطلبتُ إحصائيات رسمية بعدد بيوت المسيحيين، وعدد أفرادهم في كل بيت، وهل هم على ملة واحدة، أو أكثر؟ ثم ننظر المسافة التي بينكم، وبين أقرب كنيسة منكم؛ في الحواصلية، أو أبو حماد، وهل في الذهاب إلى إحداهما أية مشقة عليكم، وأخيرًا: نراجع القانون، والجهات المسؤولة؛ المنوط بها البت في هذا الشأن، ويكون كل هذا في النور، وضربتُ له مثلاً بمركز التوحيد في مدينة فيسبادن بألمانيا؛ حين أردنا أن نرخص الأرض؛ لبناء مسجد التوحيد ومرافقه عليها، كان لزامًا علينا أن نحصل على موافقة جميع الجيران لمسافة 50 مترًا من الجهات الأربع، ثم على تفاهمات بيننا وبين كنائس الحي، ومعابد اليهود فيه، ثم على موافقة 17 جهة حكومية، وقد حصلنا على الموافقات الرسمية بعد ثلاث سنوات، وبالطبع لا أقيس المسيحيين المصريين على مسلمي المهجر؛ لأن المسيحيين شركاء أصليون في مصرنا الآمنة، بل أردت أن أُبيِّنَ أن القانون هو سيد الموقف، وقد وافقني المعلم إسرائيل على إجابتي كل الموافقة!
    • أخيرًا: أسجل هنا سعادتي حين يتواصل معي أبو أسامة؛ طالبًا خدمة لطالبة درعمية (مسلمة بالطبع)؛ لأنها ابنة شريكه المسلم في تجارة الفاكهة، وأشعر أننا سنكون بخير، ولُحْمَةً واحدةً: حين نسلك هذه المسالك الإنسانية الراقية، وأن وحدة المسلمين والمسيحيين واجبةٌ؛ من أجل وحدة مصر، وقوتها، وخيرها، ومستقبل أجيالها إلى يوم الدين.
    • شكرًا أبا أسامة الخلوق!!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى