أخبار

نداء إلى القادة ” المنظمات الأثيرة” بين التطوير وأمل التطبيق

كتبت / جيهان سامى

ذكرت د.هـويدا عزتدكتوراه الفلسفة في إدارة الأعمال ومنسق إعلامي بمكتب وزير التعليم العالي

تغيرت أساليب تطوير الأداء في المنظمات، فبعد أن كانت تركز على الجانب التنظيمي للعملية الإدارية الأمر الذي كان يفقدها روحها أو طابعها الإنساني ويؤدي إلى إصابة العاملين بالإحباط، أصبحت تلك الأساليب تركز على الجانب الإنساني؛ بهدف إحداث تغييرات إيجابية في المنظمة، فكلما تميز مكان العمل بالقبول والرضا من العاملين، كلما ساهم ذلك في تحقيق مزايا تنافسية للمنظمة، ففي ورقة بحثية عن قيمة السعادة في مكان العمل، توصلت إلى أن الاهتمام بالإنتاجية الاقتصادية على حساب صحة العامل وسعادته كان له آثار سلبية على المنظمات.
من هذا المنطلق، أولت العديد من المنظمات اهتمامًا ملحوظًا بمواردها البشرية من خلال خلق أماكن عمل صحية تساعد العاملين على أن يشعروا بالرضا وتشبـع احتياجـاتهم الإنسانية، وتسهم وتدعم من قدرتهم على التكيف مع وظائفهم، وهي ما أطلق عليها المنظمة الأثيرة (Authentizotic Organizations)، والتي يكون لديها القدرة على تطوير مجموعة من القيم السامية تتيح لأعضائها الشعور بالهدف، وحق تقرير المصير، والكفاءة، والتأثير، والانتماء، والمعنى، والاستمتاع بأداء العمل.
ويرجع الاهتمـام بفكرة المنظمات الأثيرة إلى الدراسة التي أجراها معهد (The Great Place To Work) عام 1983 عن أفضل أماكن العمل على الشركات الأمريكية والأوروبية والآسيوية، حيث أعطى العاملين بهذه الشركات الفرصة لتقييمها فيما يتعلق بسياساتها، وممارساتها، وفلسفتها، ثم قامت مجلة (Fortune) الأمريكية بنشر نتائج هذه الدراسة الأمر الذي أعطى لهذه الفكرة قدرًا كبيرًا من الاهتمام من جانب الباحثين في المجالات الإدارية والعلمية؛ للتعرف على التأثير الإيجابي لـ “أفضل الأماكن من أجل العمل” على الأداء التنظيمي.
ويعكس المُناخ الأثيري، المُناخ التنظيمي النفسي الذي يمد المنظمة بالثقة، والمرح، والشفافية، وتفويض السلطة، واحترام الفرد، والعدالة، والتعليم المستمر، والانفتاح على التغيير.
وتعرّف المنظمات الأثيرة بأنها منظمات إيجابية تحرص الإدارة فيها على مد أفرادها بالعون على مواجهة ضغوط الحياة من خلال خلق مكان عمل نموذجي يشعر فيه الأفراد بالسعادة نتيجة لإدراكهم لروح الصداقة، والثقة في القادة، والتواصل الصريح والمفتوح مع القادة، ومساهمة المنظمة في توفير فرص التعلم والتنمية الشخصية للعاملين بها، بالإضافة إلى قيام المنظمة بتحقيق العدالة والتوازن بين العمل والحياة الأسرية.
كما أن العاملين في المنظمات الأثيرة لديهم مهمة واضحة يفهمها الجميع مما يجعلهم يشعروا وكأنهم جزًء من شيء أكبر، حيث يتجاوزون الروتين اليومي، كما يفهم كل منهم الدور الذي يلعبه في تحقيق هذه المهمة، لذا يشعروا بالرضا عن الهدف من عملهم وتأثيره، فهم لا يكتفون بالبقاء في المنظمة فقط بل يتمتعون بدرجة عالية من الرضا الوظيفي.
إن المنظمات الأثيرة وما تحققه من منافع وفوائد سيجعلها هي الفائزة في أسواق الغد، وسيمنحها القدرة على التعامل مع التغيرات والتطورات الاقتصادية.
ومن ثم أظهرت العديد من الدراسات إن “أفضل أماكن العمل” هي التي لديها مجموعة من المميزات منها أقل معدل دوران عمل اختياري بالمقارنة بمنافسيها، وتوظيف أفضل الأشخاص، وتقديم خدمة عملاء عالية الجودة، وإنتاج منتجات، وخدمات مبتكرة كل ذلك يساهم في نجاحها المالي، وتحقيق الرضا الوظيفي، فالأشخاص الذين يشعروا بالسعادة في العمل يكونوا أكثر التزامًا بالعمل.
إن المُناخ الأثيري يؤثر على الأداء الفردي، فإدراك الفرد للاتصالات المفتوحة والصريحة مع القادة يحسن من جودة العلاقة بين الفرد ورئيسه، كما يحسن من الأداء الفردي، كما أن إدراك الفرد لفرص التعلم والتنمية الشخصية يدعم حصول العاملين على الفهم الكامل من خلال أدائهم الوظيفي، ويمكنهم من تنمية كفاءتهم، ويدفعهم إلى العمل، فالعاملون الذين يدركون مناخًا أثيريًا قويًا يشعرون برفاهية وجدانية أعلى، تجعلهم أكثر التزاما نحو وظائفهم وتزيد من استغراقهم في العمل.
وتمثل أبعاد المُناخ الأثيري مقومات نظام عمل صحي، يتميز بجهود هادفة منظمة تعاونية ترفع من إنتاجية العامل إلى الحد الأقصى بتوفير أعمال مناسبة، وذات مغزى وبيئة تنظيمية اجتماعية مساندة ومدعمة، وفرص عادلة سهلة المنال، فعلى سبيل المثال، إن روح الصداقة بُعد محوري في المنظمات الأثيرة حيث يشعر العاملون بأنهم أسرة واحدة، كونها المعيار الأهم الذي يؤدي إلى تحقيق سلامتهم النفسية فهي تلعب دورًا كبيرًا في إشباع حاجاتهم الاجتماعية، وأنهم يملكون الدعم اللازم من زملائهم للتعامل مع ضغوط العمل، مما يمنح المنظمة مزيدًا من القوة والمرونة، باعتمادها على فريق عمل مٌتآلف ومُنتج.
فما يميّز القيادة في المنظمات الأثيرة هو تركيزها على إدراك حاجات وتطلعات العاملين والعمل على حل مشكلاتهم، وتقديم الدعم والمساندة لهم، وذلك من خلال شعور العاملين بالثقة والوضوح في التعامل مع قادتهم في العمل، وبالتالي العمل الدؤوب على مواكبة توقعاتهم، وإدراك أن صيانة العلاقة مع العاملين وتعزيزها هي مسئولية القادة في المنظمة، حيث إن إقامة علاقة ناجحة مع العاملين؛ بهدف الحصول على منافع طويلة الأمد ومتبادلة هو أكثر ما يميّز مفهوم المُناخ الأثيري في المنظمات.
وإن الاتصالات الصريحة والمفتوحة بين العاملين والقادة ليس لها تأثير على ثقة العاملين فحسب، وإنما أيضًا تلعب دورًا أساسيًا في رضا العاملين، فالاتصالات الفعّالة التي تقدّم المعلومات المفيدة والكافية للعاملين مؤثرة جدًا في تحقيق أهداف المنظمة لما لها من دور هام في تأسيس وتطوير علاقات قوية وناجحة مع العاملين، وذلك من خلال دورها في تعزيز التواصل ثنائي الاتجاه وتقوية أواصر العلاقة بين المنظمة والعاملين بما يجعل العاملين يشعرون بالدعم الاجتماعي الموجه إليهم، ويتيح فرص إبداء آرائهم ومقترحاتهم، ويعزز من الرفاهية الوجدانية لديهم، وتقديرهم لذاتهم، بالإضافة إلى تحقيق مستويات عالية من الرضا والتزام العاملين، ويسهم في اكتساب المنظمة ميّزة تنافسية.
كما أن إدراك العاملين لفرص التعلم والتنمية الشخصية تخلق لديهم شعورًا بالكفاءة الوظيفية، والفعالية الذاتية، والاستقلالية، فعندما تتيح المنظمة للعاملين بها فرص للتعلم تتيح لهم الشعور بالراحة والحماس في أداء المهام الوظيفية، ومن ثم فإنها تزيد من مستوي الرفاهية الوجدانية حيث أنها تشجع العاملين على استثمار المزيد من الموارد المعرفية والعاطفية في عملهم.
ويعد بُعد العدالة التنظيمية متغير مهم ومؤثر في بيئة العمل الصحية، فهي انعكاس لعمليات التبادل الاجتماعي بين المنظمة والعاملين، وأن غياب إحساس العاملين بالعدالة قد يكون مدعاة إلى إقامة الصراع السلبي في المنظمة.
كما أن التوازن بين العمل والأسرة له أهمية كبيرة، وذلك كونه مقياس دقيق لقوة العلاقة بين العاملين والمنظمة، ومؤشر هام لمستقبل هذه العلاقة ومنافعها لكل من المنظمة والعاملين بها، حيث أن الطريقة التي يدرك من خلالها العاملين تحقيق التوافق بين العمل والأسرة تؤثر بصورة مباشرة على نوايا العاملين المستقبلية بما يخص استمرارهم بالعمل في المنظمة وحفاظهم على جودة عالية من الأداء.
ومن ثم، ادعو المنظمات إلى تطبيق أبعاد المُناخ الأثيري كأحد المتغيرات الإدارية المعاصرة التي تسهم في تحقيق البقاء للمنظمات في ظل هذه البيئة التنافسية، والتوصل إلى أسس علمية لتطوير أساليب الأداء فيها، خاصًة فيما يخص الموارد البشرية فهي عوامل حيوية في تطوّر علاقة العاملين مع المنظمة، حيث أن هذه الأبعاد لا تتمتع بالملموسية والثبات في الأداء؛ لذا يكون للانطباعات المتكوّنة لدى العاملين عن المنظمات المفضلة على غيرها تأثير كبير في تقييمهم، وصياغة اتجاهاتهم نحو المنظمة التي يعملوا فيها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى