أخباراقتصادالعالممقالات

التمويل التشاركي: ضرورة اقتصادية ملحة قد تساهم في دفع عجلة التنمية الاقتصادية في مصر.

بقلم : د. نائل شحادة السلطي

رئيس مجلس “ادارة مجموعة الكرم الدولية”

إن إضفاء الطابع الديمقراطي على الإنترنت ورقمنة النشاط المالي قد فتح الباب لظهور مفاهيم تعاونية جديدة في المجتمع, وتشجيع النمو و زيادة مساهمة الأفراد في عجلة التطور الاقتصادي من خلال إدخال مفهوم الاستثمار التضامني و تقديم الدعم للمشاريع الجماعية.
“واحد للجميع والكل واحد” هي مقولة قديمة برزت أهمية تطبيقها من جديد خلال الفترة الأخيرة و خاصة في تلك المجتمعاتالتي يتم فيها منح القروض و المساعدات لفئات قليلة. نموذج التمويل التشاركي هو نموذج اقتصادي جديد يقوم على مبدأ إتاحة الفرصة للحصول على تمويل المشاريع و الأفكار المبدعة لأي شخص في أي مكان وفي أي وقت، و يعتبر واداً من الأنظمة البديلة و المكملة لأنظمة الاستثمار و التمويل التقليدية.
مع ازدياد شعبية منصات التمويل الاجتماعي و التي تم إطلاقها أساساً لدعم الأنشطة الفنية، و التي أصبحت في الفترة الراهنة واحدة من المنصات المهمة بالنسبة للعديد من الفئات سواءاً الأشخاص أو الشركات أو الجمعيات غير الربحية و التي تبحث عن مساعدات لتعزيز مشاريعها وتحقيق أهدافها . أصبح مفهوم التمويل التشاركي واحداً من المفاهيم الأكثر انتشاراً في العديد من الدول الأوروبية و ذلك لدوره الفعال في الدمج بين مفهوم المصلحة الجماعية و الاستثمار.

التجربة الفرنسية: تجربة ساعدت على إدخال بدائل و مفاهيم استثمارية جديدة.
بدايات منصات التمويل التشاركي في فرنسا كان في عام 2010 من خلال صفحة Babeldoor و التي كانت تقوم عل أساس “هدية مقابل هدية” و كان هدفها الأساسي تقديم بدائل تمويلية جديدة لرواد الأعمال و أصحاب المشاريع الصغيرة، تنوعت خدمات هذه المنصة وقامت بتصميم نظام جديد لإدارة و تمويل المشاريع يجمع بين التمويل التشاركي والاستعانة بمصادر تمويلية خارجية. لم تكن محصورة بجمع الأموال فقط، ولكن أيضا حاولت تقديم جميع الموارد اللازمة لتطوير مشاريع مفيدة اجتماعيا و جذبت فئة جديدة من المستثمرين و هم أولئك الشباب الذين يبحثون عن استثمارات صغيرة, مربحة و ذات بعد اجتماعي في نفس الوقت.
كانت هذه التجربة الناجحة بداية الطريق نحو تحقيق مشاريع جديدة كان التمويل التقليدي يبطؤها و يعرقل تطورها. كما ساعدت العديد من المشاريع الصغيرة على ضمان الثقة بشأن صلاحية مشاريعهم و إعطائها بعداً اجتماعياً و ساهمت أيضاً في زيادة الوعي سواءاً الحكومي و الشعبي حول أهمية هذا النموذج و أهميته على المدى المتوسط و الطويل الأجل.
ان نجاح التجربة السابقة و غيرها من التجارب اللاحقة ساهم في لفت أنظار القطاع العام و الحكومة الفرنسية. في شهر كانون الأول من عام 2015 تم اعتماد التمويل التشاركي كجزء من السياسة الحكومية الاجتماعية, كما تم اعتمادها من قبل بعض الهيئات و المنظمات الغير ربحية كوسيلة لتمويل مشاريعهم الاجتماعية.

التمويل التشاركي: فرصة لزيادة المساهمة الشعبية في تطوير القطاع العام.
يمثل التمويل التشاركي بالنسبة للسلطات الإقليمية والمحلية الفرصة لمنح أعمالهم بُعدًا جديدًا, و طريقة لإشراك الجهات الفاعلة المحلية – السكان والجمعيات والشركات – في صوغ القرارات العامة التي سيستفيدون منها بشكل مباشر أو غير مباشر. بالإضافة إلى كونه يعتبر نهجًا بناءً إيجابيًا لتعزيز الروابط الاجتماعية.

دعم ريادة الأعمال مع التمويل الجماعي

بالإضافة إلى البحث عن الأموال ، فإن اقتراح مشروع عبر منصة تمويل الجماعي هو وسيلة لاختبار منتج أو خدمة ، والتحقق من صحة الفكرة وتحليل ما يصلح مما يساعد على لفت انتباه المساهمين ويسمح للشركة بإجراء أبحاث السوق وتشكيل أول قاعدة عملاء لها.
كذلك يمكن اعتباره فرصة للتسويق البديل. حيث أن “الجماهير” ذات الوعي الأكبر بمنتج ما هو جمهور مثالي لتجربة خطط تسويقية جديدة. إلى جانب جمع الأموال، يمكن للمساهمين، إذا طلبوا ذلك، أن يكونوا مصدرًا للمعلومات والأفكار و التي يمكن استخدامها مستقبلاً من أجل نجاح المشروع في تنفيذ استراتيجياته.

بفضل التكنولوجيا الرقمية و منصات التواصل الاجتماعي يمكن لرواد الأعمال المصريين و الشركات الصغيرة و المتوسطة أن تعتمد مفهوم التمويل التشاركي كوسيلة جديدة للتمويل في ظل غياب سياسات الدعم الأخرى. الأمر الذي قد يساعد على دعم مشاريع مبتكرة مفيدة اجتماعيًا وبيئيًا. الأمر ينطبق أيضاً على متخذي القرار, حيث أن التمويل التشاركي قد يعتبر البديل الأمثل لتنفيذ مشاريع البنية التحتية, و أكبر مثال على ذلك ما تم اعتماده سلفاً من قبل الحكومة المصرية في تنفيذ مشروع قناة السويس الجديدة و غيرها من المشروعات التي تم تنفيذها في المرحلة الأخيرة و التي سمحت من خلاللها الحكومة المصرية بقيادة رئيس الجمهورية السيد عبد الفتاح السيسي, إشراك القطاع الشعبي في تنفيذ مشاريع تنموية ذات أبعاد اقتصادية و اجتماعية.
لذلك فإنه من الواجب على الحكومة المصرية فتح أبواب المشاركة الشعبية في تنفيذ أنواع أخرى من المشاريع الريادية و عدم النظر فقط الى مشاريع البنية التحتية. حيث أن المشاريع الصغيرة و المتوسطة تعتبر الشريان الاقتصادي الحيوي لأي دولة. لذلك يتوجب تشكيل هيئة عامة متخصصة في التمويل التشاركي تكون مهمتها استغلال الطفرة الرقيمة و منصات التواصل الاجتماعي في زيادة الوعي حول مفهوم التمويل التشاركي و طرحه كبديل عن القروض و غيرها من الوسائط الاستثمارية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى